الشوكاني

532

فتح القدير

الجميع على أن أحد الطرفين الصبح ، فدل على أن الطرف الآخر المغرب ( وزلفا من الليل ) أي في زلف من الليل ، والزلف : الساعات القريبة بعضها من بعض ، ومنه سميت المزدلفة لأنها منزل بعد عرفة بقرب مكة . وقرأ ابن القعقاع وأبو إسحاق وغيرهما " زلفا " بضم اللام جمع زليف ، ويجوز أن يكون واحده زلفة . وقرأ ابن محيصن بإسكان اللام . وقرأ مجاهد " زلفى " مثل فعلى . وقرأ الباقون " زلفا " بفتح اللام كغرفة وغرف . قال ابن الأعرابي : الزلف الساعات واحدتها زلفة . وقال قوم : الزلفة أول ساعة من الليل بعد مغيب الشمس . قال الأخفش : معنى زلفا من الليل : صلاة الليل ( إن الحسنات يذهبن السيئات ) أي إن الحسنات على العموم ، ومن جملتها بل عمادها الصلاة يذهبن السيئات على العموم ، وقيل المراد بالسيئات : الصغائر ، ومعنى يذهبن السيئات : يكفرنها حتى كأنها لم تكن ، والإشارة بقوله ( ذلك ذكرى للذاكرين ) إلى قوله ( فاستقم ) وما بعده ، وقيل إلى القرآن ذكرى للذاكرين : أي موعظة للمتعظين ( واصبر ) على ما أمرت به من الاستقامة وعدم الطغيان والركون إلى الذين ظلموا ، وقيل إن المراد الصبر على ما أمر به دون ما نهي عنه ، لأنه لا مشقة في اجتنابه وفيه نظر ، فإن المشقة في اجتناب المنهي عنه كائنة ، وعلى فرض كونها دون مشقة امتثال الأمر فذلك لا يخرجها عن مطلق المشقة ( فإن الله لا يضيع أجر المحسنين ) أي يوفيهم أجورهم ولا يضيع منها شيئا فلا يهمله ولا يبخسه بنقص . وقد أخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله ( وإنا لموفوهم نصيبهم غير منقوص ) قال : ما قدر لهم من خير أو شر . وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن زيد في الآية قال : من العذاب . وأخرجا عن أبي العالية . قال من الرزق . وأخرجا أيضا عن قتادة في قوله ( فاستقم كما أمرت ) قال : أمر الله نبيه أن يستقيم على أمره ، ولا يطغى في نعمته ، وأخرج أبو الشيخ عن سفيان في الآية قال : استقم على القرآن . وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحسن قال : لما نزلت هذه الآية ( فاستقم كما أمرت ) قال : شمروا شمروا فما رؤي ضاحكا . وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج ( ومن تاب معك ) قال : آمن . وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن العلاء بن عبد الله بن بدر في قوله ( ولا تطغوا ) قال : لم يرد أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم إنما عنى الذين يجيئون من بعدهم . وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس ( ولا تطغوا ) يقول : لا تظلموا . وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد قال : الطغيان ، خلاف أمره وارتكاب معصيته . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ( ولا تركنوا إلى الذين ظلموا ) قال : يعني الركون إلى الشرك . وأخرج ابن جرير وابن المنذر عنه ( ولا تركنوا ) قال : لا تميلوا . وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضا قال ( ولا تركنوا ) لا تدهنوا . وأخرج أبو الشيخ عن عكرمة في الآية قال : أن تطيعوهم أو تودوهم أو تصطنعوهم . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ( وأقم الصلاة طرفي النهار ) قال : صلاة المغرب والغداة ( وزلفا من الليل ) قال : صلاة العتمة وأخرجا عن الحسن قال الفجر والعصر ( وزلفا من الليل ) قال : هما زلفتان : صلاة المغرب وصلاة العشاء . قال : وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " هما زلفتا الليل " . وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في الطرفين قال : صلاة الفجر ، وصلاتي العشي : يعني الظهر والعصر ( وزلفا من الليل ) قال : المغرب والعشاء . وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله ( وزلفا من الليل ) قال : ساعة بعد ساعة ، يعني صلاة العشاء الآخرة . وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في سننه عن ابن عباس أنه كان يستحب تأخير العشاء ، ويقرأ زلفا من الليل . وأخرج ابن جرير ومحمد بن نصر وابن مردويه عن ابن مسعود في قوله ( إن الحسنات يذهبن السيئات ) قال : الصلوات الخمس ،